عائلة صالح
عائلة صالح

الامارات وعائلة صالح

مشروع الإمارات الثابت، هو العداوة مع يمن علي عبدالله صالح، هي تتبنى وجهة نظر محمد بن نايف، الثابت منذ مشاورات المخابرات الدولية قبل ثورة 2011م، والمنشورة في وثائق ويكليكس من السفارة الأمريكية، أو من مراسلات بن نايف مع الإدارة الأمريكية المنشورة أيضاً في ويكليكس، والتي تقول إن صالح، ليس قمعياً بما فيه الكفاية، لما توصفه هذه الدول أنها جماعات إرهابية، سواءً الاخوان حينها أو الحوثيين لاحقاً..

من حق أى دولة أو جماعة، أن تمون ضد أو مع، شخص أو مكون، في أي بلد، غير أن هذا ليس مجرد شعارات، تعيد لنا الصراعات العبثية، وراء أوصاف اليسار الملحد، واليمين الامبريالي الرجعي، بل وفقاً لأسباب ومعطيات يمكن بعدها التفريق بين ما هو حق للمختلف، ليختلف مع هذا أو ذاك، باعتباره خلافاً طبيعياً، ليس مطلوباً مكافحته ولا نقله إلى خانة الاتفاق، وبين ما هو مجرد جهالات شعاراتية، كلها تفضي لنقيض ما تقول وترفع من أهداف، فهي تختلف بلا سبب، وتعتبر مجرد اختلافها، معك أو ضدك، قانوناً إلهياً يجب أن يقرر مصير المختلف باعتباره شراً لايحق له الوجود والاختلاف.

إن تأييد السعودية والإمارات، لهادي وحلفائه، هو الوجه الآخر المناقض، لرفضهم ومحاربتهم لصالح، وكلا الحالتين، مجرد تأييد واختلاف شكلي، بلا أسس لا للتأييد ولا للرفض، وهذه هي مأساة المنطقة برمتها اليوم، وما تدفعه اليمن ثمناً لذلك، هو فقط بسبب صراعاتنا نحن اليمنيين، داخلياً، وقلة حيلة الشعب، واستسهالاً من العدوان لنا جميعاً بكل تناقضاتنا، بمن فيهم الذين هم موجودون اليوم في الرياض أو غيرها..

لم يكن بين “صالح”، حاكماً أو بعد خروجه من الحكم، أي صراعات مع الإمارات، باستثناء الحدث الطارئ الذي انتجته حرب الخليج الأولى وحرب تحربر الكويت، وقد سمعت شخصياً من الأستاذ محمد سالم باسندوة، الذي كان وزير خارجية وإعلام في تلك الفترة، ما يخص هذا الاختلاف بين الجمهورية اليمنية وبين الإمارات العربية المتحدة، إذ أن الشيخ زايد، رحمه الله، وفي أول زيارة لباسندوة له بتكليف من الرئيس علي عبدالله صالح، كان محتداً ليس ضد موقف الدولة اليمنية الرسمي، بل ضد ذلك العبث والسطحية وما يمكن وصفه “السخافة”، التي انتجتها الآلة الإعلامية الشعبية وبرعاية أمنية ورسمية في خطأ قاتل، والتي هاجمت “زايد”، بشكل شخصي، وتعدت على العلاقات اليمنية الإماراتية.

وقد بذلت صنعاء، جهوداً كبيرة، انتهت بتفهم الشيخ زايد، للتعقيدات التي كانت تمر بها اليمن، ومن المؤسف أن أغلب النخبة التي أنتجت تلك الإساءات، هي اليوم في الرياض وأبوظبي، ولكن لا أعتقد أن أولاد زايد، لديهم أي مشاعر تجاه اليمن واليمنيين، من تلك الفترة لا سلباً ولا من بعدها إيجاباً، فهم جيل سياسي، يختلف كلياً مع جيل تأسيس الدولة، في علاقاتهم وثقافاتهم.. بمعنى أن هذا الحدث المسيئ يومها لاعلاقة له بموقفهم الحالي.
فموقفهم، يرتكز على عداوتهم للاخوان في اليمن، أولاً.. ثم خطأهم في تقدير الأوضاع في اليمن، واعتقادهم أن “صالح”، لم ولن يعود له دور في اليمن.

ولذلك، فمن الواضح أن الإمارات، طورت من مشروع “بن نائف”، ضد صالح.

محمد بن نايف، يبرر موقفه، كما هو موثق في المراسلات بينه وبين الأمركيين، المنشورة في ويكليكس، بأن “صالح” غير جاد في بناء دولة قوية ومؤسسات محايدة، لكنه بعد ذلك، وبما يناقض مبرراته مشروعه، يفضل العمل مع قوائم اللجنة الخاصة، وعلى رأسها اللواء علي محسن، والوجه القبلي من الإصلاح، أما محمد بن زايد، فمشروعه يقوم على صناعة مؤتمر شعبي لليمن، ولكن بتصميم إماراتي.

في بدايته، كان مشروع الإمارات، معتمداً على الاعتقاد بنهاية دور صالح، وأن الواجب هو منع أن يصب التغيير في اليمن لمصلحة الاخوان، وأولاد الأحمر.. ثم أضيف له مشروع محاربة الإخوان والحوثي معاً.

ويمكن أن أفهم، عرضها المبكر لعائلة رئيس المؤتمر وعلى رأسهم، العميد أحمد علي، حين فتحت لهم كل التسهيلات للإقامة فيها.

وليس لديّ، أي تفاصيل، عن كيف كان تصور الإمارات لدور محتمل لـ”أحمد علي”، لكني أعتقد أن مشروعها، كان لايفكر بدور لأي من عائلة الصالح، خاصة وهناك شواهد على استحالة أي مشروع يحاول اللعب على انشقاقات داخل ذات الأسرة، سواءً أثناء ثورة 2011، أو بعدها.

ويمكن هنا، التذكير بثلاث منها، كانت كلها تحاول إقناع قائد الحرس الجمهوري، بالتصدي لدور خارج شرعية دولة والده، التي اهتزت بفعل ثورة 2011م، ورفضها الرجل جميعاً.
ومعلوماتي هنا، استقيتها من العارضين للمشروعين، والثالث نشره مصدره علناً باسمه. الأولان، مشرعان يمنيان من طرفي تحالف الخصوم، في حروب صعدة، فيما الثالث مشروع خارجي أمريكي بالتحديد.

والثلاثة، كانت اتفاقاً في تقدير، يستغل ظروف إصابة الرئيس علي عبدالله صالح، وتواجده في السعودية، ويطالب بترتيبات تعتمد على فرضية كانت يقيناً أن “صالح”، لن يعود قادراً على العودة للحياة العادية الطبيعية، فضلاً عن قيامه بواجب دستوري سياسي كرئيس جمهورية.

الأول، وعبر وسطاء قبليين وسياسيين، عرض مشروع، لتشكيل حكومة بين المؤتمر والحوثيين، يدعمها الحرس الجمهوري، الذراع العسكري القوي المتماسك.

والثاني، تشكيل رئاسة الدولة وترك الحكومة، بتحالف بين قائد الحرس الجمهوري، كحامٍ للنظام، وقائد الفرقة الأولى مدرع كحامٍ للثورة.

أما الثالث، فقد نشره القيادي المؤتمري والوجه القبلي، الشيخ ياسر العواضي، الذي أعلن في 2015، أنه كان شاهداً على عرض أمريكي على العميد أحمد، بأن عليه استخدام قوته العسكرية في فرض أمر واقع جديد، ليس فيه أحد من رموز الماضي، بمن فيهم والده.
وفي 2013، قال لي اللواء علي محسن: “أحمد، طلع أعقلنا”.

ولم يختلف رد قائد الحرس الجمهوري، على المشاريع الثلاثة، وكان منطقه أن المسألة، ليست علاقة أب وابنه، بل قائد عسكري في شرعية عامة، رافضاً انضمامه لتجربة الانقلابات العائلية، كما حدثت في البحرين أو قطر أو حتى السعودية قبل ذلك، أو حتى في بعض إمارات الإمارات ذاتها قبل توحدها..

وقد اطلعت ونشرت شخصياً، عن محضر لقاء جمع العميد مع سفراء الدول الراعية للمبادرة، وهو يقول لهم، الحرس ليس مؤسسة عائلية، وبصفتي قائداً له، فحتى لو فرضت عقوبات على المؤتمر الشعبي وقياداته، سيكون همه الوحيد هو تطبيق القانون، وليس من القانون أن تحولوا العقوبات إلى عملية سياسية انتقائية بلا أى أدلة..

وجاء العدوان، ليؤكد أن أداء علي عبدالله صالح، وأحمد علي، لم يكن تعبيراً عن حذاقة وتكتيك، بل عن مسار اعتيادي، كأن كلاً منهما، يتصرف باستقلال عن الآخر، ولكن في وعيهما فإن إدارة التحديات، لاتسير إلا بطريق واحد يؤمنون به، معاً. ولديهم الاستعداد لتحمل كامل المسئولية عن التزامهما هذا به.

لذا، لا أحمد ولا والده، تردد لحظة في إعلان، رفضهم العدوان على اليمن، كموقف ملايين اليمنيين، ليس من احياء اليوم، بل إن التاريخ يحفظ لكبار هذه البلاد من مختلف المذاهب والمناطق والأفكار، ذات الموقف في كل الظروف، مع استثناءات تظل قصوراً أو خطأ.

ووفقاً لما سمعنا جميعاً، من “العربية” أولاً ومن أول مقابلات الزعيم في “الميادين”، فإن الاثنين، أيضاً، رفضا عرضاً سعودياً للانضمام لتحالف الحرب على اليمن، أو بالأصح، أن يصبحا وكيله..

فقد استدعت السعودية السفير، وعرض عليه محمد بن سلمان بنفسه تمويل حرب ضد أنصار الله، أو منعهم من الانتقال إلى عدن، وقد اتصل السفير أحمد برئيس المؤتمر من الرياض، قائلاً له مطالب السعودية، فقال له الزعيم: العملية السياسية وحدها هي من يمكن أن تعيد ترتيب الشرعية في اليمن، أما الحرب، فلم يعد بالإمكان تحقيق أي إنجاز بها مهما كانت إمكاناتها، وبناءً على ذلك عاد السفير إلى الإمارات، حيث يتواجد أغلب أفراد عائلة الزعيم..

ولم تفهم، لا السعودية ولا الإمارات، منطق وأفعال لا علي عبدالله صالح ولا ابنه، بل اعتبرته عناداً وخروجاً عن النص، ومحاولة للاستقواء.. فصعدت من جهودها، حربية وسياسية.. صورت الحرب كأنها مجرد صراع بينهم كأفراد، وبين علي عبدالله صالح تحديداً، وكأنهم هم اليمنيون وليس هو.

وفيما اندفعت قيادات مرموقة، في تاريخ اليمن، للتشارك مع الآلة الحربية العدوانية ضد اليمن، شهدنا جهوداً لقيادات أخرى، بذات الحجم الوطني، لم تقف مع العدوان الحربي، لكنها تجاوبت وسوقت ودعمت المشروع الإماراتي بشأن المؤتمر الشعبي العام.

وبدأت وساطات لدى الزعيم، لإخراجه من اليمن، مقابل تقوية المؤتمر وليس مجرد إبقائه، وترك الزعيم، هذا المسار للزمن، فكان يتجاوب مع نقاشاته فيما يراه ممكناً ويرفض ماىيراه “عبثاً جاهلاً باليمن واليمنيين”.

وكما لم تحقق طائرات العدوان، وآلياته الحربية شيئاً ضد اليمن، سوى الإغراق في حفر مواجعه وتضخيم آلامه، لم يحقق مشروع السياسة شيئاً ضد المؤتمر الشعبي العام، فتحول الأمر إلى ضغوط عائلية..

وتحول وجود عائلة الصالح، في الإمارات، إلى مِنّة وأداة ضغط في نفس الوقت. فكيف يرفض صالح مكرمة إماراتية، لعائلته بإخراجها من اليمن، ومشروعاً لدعم حزبه المؤتمر للعب دور يتفق وسياسة مشروعها لليمن.

ومع أن “صالح”، في مقابل تمسكه بموقفه، برفض التدخل في بلاده وحزبه، وإيمانه استحالة قيادة اليمن، عبر أي مشروع حكم يرتبط بمركز تسيير وإدارة غير يمنية، لم يصعد من خطابه ضد الإمارات ودورها، بل إنه ظل يحاول تجنب مقارنتها بالسوء القادم من الرياض..

صعدت أبوظبي، من مضايقاتها، للسفير، وصولاً إلى اعتقاله لقرابة الشهرين، مع آخرين، ومنعهم حتى من الاتصالات الشخصية، مبررة ذلك بأنها فقط تريد التأكد من عدم اتصالاته بالمقاومة اليمنية للعدوان السعودي، في وقت كانت الأخبار الرسمية التي تصدرها السعودية تتحدث عن استهدف أحمد علي الذي قالوا في اخباريهم يومها عن عمليات قصف لمعسكرات في اليمن. وما قيل عن أن “توشكا” الذي دك الجهالة الإماراتية في مأرب، هو عمل أشرف عليه أحمد علي، ووالده.

إضافة إلى ممارسات، ظل ولايزال يفضل السفير ووالده، عدم التركيز عليها، باعتبارها إجراءات طبيعية من دول ترسل كل ذلك الدمار للناس جميعاً في اليمن، ولتجنب تحولهم إلى مصدر إرباك إضافي في صراعات المنطقة برمتها بين المشيخات والإمارات وغيرها..

ولم يتمكن من الخروج من الإمارات، إلا “خالد علي عبدالله صالح”، ولعل التاريخ سيذكر تفاصيل المحاولات الإماراتية لإعادة خالد إليها، لكنه بدلاً من ذلك نجح في العودة إلى صنعاء، تحت كل ذلك الحصار والعدوان.

وتجاه ذلك كله، كان صالح الأب، يمنياً صرفاً، يمنياً في بساطة ردة، يمنياً في صلابة موقفه، يمنياً في كبره على من يتصرف بكبر وغرور، وقال لهم: رأس أحمد أو أي من أفراد عائلتي ورأسي أنا، مثله مثل رأس أي يمني، قيمته من قيمته في وطنه. حتى قال لهم: “قدمتم لنا الآن تجربة حديثه عن من يخرج من بلده ويصبح قيد نظام دولة أخرى”، معتبراً ذلك من الأسباب الإضافية لرفضه مغادرة بلاده.

وقد تدخلت وساطات عربية ودولية عدة لدى أبو ظبي، للخروج من دائرة التصرفات القبيحة هذه، فأفرج عن السفير، وترك له ولكل أفراد عائلة الزعيم، حرية التحرك والتنقل والاتصال، ولكن داخل حدود الدولة الإماراتية، لكنهم ممنوعون من السفر، ومن يزورهم من العائلة، يتم منعه من الخروج منها، ومن لم يكن من العائلة، فيمكنه زيارتهم وفقاً لإجراءات عادية للدخول والخروج.

وقد تصرف “أحمد علي”، وكل من معه في الإمارات، بأعلى مستوى من المسئولية والصبر والاحترام، فالتزموا بقوانين الدولة التي يتواجدون على أرضها، بل ورفضوا الإدلاء بأي تصريحات من على أراضيها، بأي وسيلة كانت.

ولأن للحرب مساراتها. فقد تم ضم عائلة الصالح ضمن مسار المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة للإفراج عن الأسرى والمعتقلين والموقوفين قسرياً.

ومع أول تواصل بين الإمارات وبين أنصار الله، فوجئ الأنصار، كما فوجئ المؤتمر، أن الإماراتيين يقولون لأنصار الله، صالح هو عدونا وعدوكم، في خطاب عدمي لا قيمة له، إلا إذا كان يظن أنصار الله، مثل بقية فرقاء الشتات الذين حين فقدوا سلطتهم في صنعاء، باعوا أنفسهم وبلادهم، وكل منهم يبيع الآخر حتى وهم جميعاً مجرد لاجئين في دول العدوان.

سينتهي العدوان على هذه البلاد، كما انتهى كل عدوان استهدفها من خارجها، منذ بدء الخليقة، يطوي الزمن محاولات العدوان السيطرة على هذه البلاد، بل وتنتهي دوله، وتبقى اليمن، اسماً وأرضاً وشعباً..

وستصبح كل هذه الحكايا، طي التاريخ..

وسنرى كل يمني، مع مواطنيه، على أرضه، كل بوزنه وقيمته وتصرفه، إزاء شعبه وبلاده..

 

المصدر: وكالة خبر

عن هند المغني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *